دراسة حول الوضع في اليمن | الفروع | اليمن | الرئيسية

دراسة حول الوضع في اليمن

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

الدكتور رياض طه شمسان تعتبر الوحدة اليمنية قضية هامة وأساسية للتنمية والديمقراطية والاستقرار السياسي في جنوب شبة الجزيرة العربية، فالعلاقة بين التطور والتنمية وإعادة تحقيق الوحدة الوطنية لبلد كان قد جزء بدرجة أساسية بفعل عوامل خارجية علاقة عضوية . وهذا ما أدركته منذ وقت مبكر جميع القوى والحركات السياسية الوطنية اليمنية التي أدرجت ضمن أهدافها الإستراتيجية قضية إعادة وحدة شطري اليمن . وقد حال دون تحقيق هذا الهدف بعد خروج الاستعمار البريطاني من الجنوب وقيام النظام الجمهوري في الشمال وجود نظامين مختلفين تماما من الناحية الأيديولوجية وطبيعة التوجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي في كلا منهما في ظل نظام ثنائية القطبين للعلاقات الدولية في فترة الحرب الباردة

وعلى الرغم من ذلك فقد كانت النخب السياسية الحاكمة في جنوب اليمن وشما له تعي جيدا أهمية الوحدة اليمنية سواء للمستقبل ألاقتصادي لكل شطر أو مستقبل كياناتها السياسية . ولكنها كانت تختلف فقط من حيث رؤيتها للمضمون الاجتماعي للوحدة و ومقتنعة باستحالة تحقيقها في ظل وجود نظامين مختلفين ألا في حالة واحدة وهي القضاء على احد النظامين ، وعلى هذا الأساس كرس كل نظام جهوده وطاقاته في هذا ألاتجاه . 
وأيمانا بوحدة الشعب والوطن اليمني فقد عملت النخبة الحاكمة في الجنوب آنذاك على توحيد كافة ما كان يسمى فصائل العمل الوطني في الشمال التي تتقارب معها في توجهاتها الأيديولوجية وشكلت معها حزب واحد هو الحزب الاشتراكي اليمني وأشركتها حتى في الحكم في الجنوب . 
أما على الصعيد العام فقد كان اليمنيون دائما شعبا موحدا ولم تفرق بينهم ألا الحدود السياسية للنظامين . وكان الشعب اليمني في الجنوب أكثر تطلعا للوحدة اليمنية نتيجة لاستيعابهم أهميتها لمستقبل حياتهم ألاقتصادية والاجتماعية والثقافية وساعد في هذا الاتجاه أسلوب التوعية والتثقيف الموجه من قبل النظام في الجنوب وانخفاض مستوى ألأمية مقارنة مع الشمال . 
وفي نهاية الثمانينات بدأت التجربة ألاشتراكية في جنوب اليمن تؤكد عدم نجاحها وأحداث 1986 م بشكل نهائي انتزعت ثقة الشعب والمجتمع الدولي في النخبة الحاكمة في الجنوب . 
وفي عام 1989 ـ1990 م في ظروف انهيار النظام الاشتراكي العالمي أوقفت موسكو الدعم لحلفائها في بلدان العالم الثالث ، وبرزت أمام اليمن الديمقراطية الكثير من التحديات . وفي هذه الظروف رأت القيادة السياسية في الجنوب ضرورة التخلي عن مفهومها السابق لمضمون الوحدة اليمنية وطريقة الوصول إلى تحقيقها وفقا للمتغيرات ألدولية وتقدمت نحو الوحدة الاندماجية مع النظام في الشمال وبدأت هذه الخطوة ألجريئة كأنها استسلام مشرف أمام النظام في الشمال الذي كان يتمتع ببعض الاستقرار النسبي مقارنة مع النظام في الجنوب . و كان هذا قرارا صعبا بكل تأكيد ، وسارت عملية تحقيق الوحدة بشكل سريع ، وساعد في ذلك وجود التداخل الأسري والديموجرافي بين ابناء الشمال والجنوب ووجود شخصيات من اصول جنوبيه في القيادة الشماليه وأشخاص من اصول شماليه في القيادة الجنوبية بالأظافة الى عوامل خارجية إقليمية ودولية . 
وفي 22 من مايو 1990 م تم ألإعلان عن الوحدة اليمنية وذابت الشخصية الدولية لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية في شخصية دولية واحدة هي الجمهورية اليمنية . وشكليا جميع المناصب قسمت بالتساوي والبرلمان المؤقت تم تشكيله من خلال دمج الأجهزة البرلمانية للجنوب والشمال . ولكن كانت النخبة السياسية الشمالية تتمتع بوضع مميز . ومثلت عملية الدمج بين الشطرين نوع من الضم والإلحاق البطئ للجنوب من قبل الشمال . 
ومنذ تقريبا السنة الأولى من إعلان الوحدة اليمنية فقد ت الأمل النخبة السياسية الجنوبية بنوايا النخبة السياسية الشمالية بالمحافظة على التكافؤ او التوازن في السلطة . وكلما كانت تسير عملية دمج مؤسسات الدولة كلما خاب الأمل لدى الجنوبيين . فالنخبة السياسية الشمالية لم تغير تفكيرها القديم وطريقة تعاملها بشأن الوحدة اليمنية وأن كان قد اتخذت تكتيكا جديدا وفقا للمتغيرات والمعطيات الجديدة وعملت بشكل واعي ومخطط في أزاحة الجنوبيين الشركاء في الوحدة من المجالات القيادية بختلف الطرق وشتى ألأساليب بما في ذلك توسيع دائرة التحالف مع كل ألأطراف المناوءة للحزب الأشتراكي اليمني بهدف اقصاءه تماما عن السلطة . وساعد في ذلك زيادة عدد السكان في الشمال اثناء اول انتخابات برلمانية مشتركة ، وبرز اتجاه خطوط الفواصل بين الشماليين والجنوبيين اكثر حدة بعد أزمة منطقة الخليج ، حيث تعرضت الجمهورية اليمنية للحصار ألاقتصادي الغير معلن بسبب موقف الجمهورية أليمنية من احداث ألخليج ،ولأن ألاقتصاد اليمني يعتمد في ألأساس على المساعدة الخارجية فقد ادى هذا الحصار إلى أزمة اقتصادية حادة ، فهبط المستوى المعيشي للسكان ونمت البطالة و التوترات الاجتماعية بشكل مفاجئ . 
وأستمر الطرفين شركاء ألوحدة في ألاعتماد على قوى سياسية مختلفة واستخدموا ايدلوجيات غير متوافقة . وأصبح النزاع مسألة حتمية . وخطورة حله بواسطة القوة أصبح وشيكا لامحالة لأن القوات المسلحة الشمالية والجنوبية لم يتم دمجها بعد خلافا عن بقية اجهزة الدولة الأخرى . 
ونشبت الحرب الأهلية في عام 1994م و ضم الجنوب ألى الشمال بشكل نهائي وأنفرد حزب المؤتمر الشعبي العام بالحكم ، وبدلا من القيام بتغييرات جذرية وأجراء اصلاحات شاملة اكتفى الحزب الحاكم بإصلاحات اقتصادية فاشلة ، وانتشر الفساد بشكل غير مألوف وتفاقمت الأزمة ألأقتصادية وبدأ النسيج ألاجتماعي في التهلهل والتمزق وبرزت المناطقية والقبلية والمحسوبيات وشردة الكوادر المؤهلة داخل وخارج اليمن وأهتزت القيم ألاجتماعية ، وأنخفض مستوى التعليم وأنتشرة ألأمية ، وفي ظل غياب دور مؤسسات الدولة تعزز دور المؤسسات التقليدية القبلية والمناطقية وألأعراف ....ألخ وبدأت تبرز كثير من النزعات ألمتطرفة بما فيها ألانفصالية . 
وأستغلت بعض القوى ألمتضررة سياسيا هذة ألأوضاع وبدأت تسعى نحو الحصول على ألانفصال وتشكيل دولا مستقلة سواء في محافضات شمالية أو في ألجنوب عامة ولاقت هذة النداءات أستحسانا من قبل ألبعض ورأت في هذا مخرجا من ألأزمات . ورأ ى البعض الأخر تشكيل دولة فدرالية أو دولة مخاليف كما أسموها ...ألخ . وطفت على الساحة القضية ألجنوبية لأعتبارات عدة من بينها 
ـــــبعد ازاحة النخبة السياسية ممثلة بالحزب ألأشتراكي اليمني من السلطة واصل ألحزب الحاكم حزب المؤتمر ألشعبي ألعام الذي انفرد بالسلطة تماما سياستة الخاطئة فبأسم ألوحدة مارس سياسة التشطير من خلال تسريح الجنوبيين من القادة العسكريين من صفوف القوات المسلحة و أغلاق باب ألتوظيف في أجهزة الدولة ومؤسساتها أمام الكوادر ألجنوبية تحت شعار ألأصلاحات وتقليص عدد أفراد القوات المسلحة . 
تم ألأستحواذ على ألأراظي وجرت عملية خصخصة جميع ألمؤسساتالأقتصادية في الجنوب التي كانت تابعة للدولة من قبل متنفذين في الحزب الحاكم. 
في الجنوب وأن كان النظام فيها يعد من ألأنظمة ألدكتاتورية التي لاتحترم حقوق ألإنسان كانت الدولة دولة مؤسسات ،فسلطة الدولة سادة على جميع مناطق وأراضي اليمن ألديمقراطية آنذاك وساد ألنظام والقانون مما ساعد هذا على تقليص دور ألمؤسسات التقليدية وتفككت ألروابط ألقبلية وبدأت تنمو ألروابط ألوطنية بعكس ماهو موجود في الشمال ، فقد كانت ألدولة محصورة في ألمدن ألرئيسية ولعبت وتلعب ألقبيلة دورا مهما ومحوريا في ألحياة ألسياسية . وبعد تحقيق الوحدة اليمنية وتحديدا منذو 1994م جرى العمل علي محاولة أعادة البنيان ألقبلي في ألمحافظات ألجنوبية بهدف ألسيطرة على الجنوب وتسهيل عملية أدارته من خلال كسب ولاءات زعماء ألقبائل ألتي ستقوم بدورها في تنفيذ سياسة الدولة على نفس ماهو حاصل في الشمال ، ورافق هذا أنتشار ألفقر والبطالة والمحسوبيات وغياب ألأمن ، وكل هذة الظواهر ألسيئة لم تكن معروفة مطلقا في ألشطر ألجنوبي قبل عام 1990م . 
وبدأ المزاج ألمعادي لهذة الضواهر يتشكل لدى قطاعات واسعة من ابناء ألجنوب وبدأت ألمطالبة بتحقيق أصلاحات شاملة والعمل على تحسين الضروف ألمعيشية للمواطن وتقليص ألبطالة وأرجاع ألمبعدين عن وظائفهم ألى أعمالهم ...ألخ ، ألا أن تعنت السلطة في ألتجاوب مع هذة ألمطالب قد أصاب ألأنسان ألجنوبي بالأحباط وفقدان ألأمل في غد أفضل في ظل دولة موحدة وخاصة أثناء الركود من قبل أبناء ألشمال وعدم مساندتهم لأخوانهم في ألجنوب في تحقيق مطالبهم ألخاصة والعامة في ظل تخاذل قوى ألمعارضة أليمنية بشكل عام ، وبدأ يتحول هذا ألمزاج ألى حركات شعبية شبة منظمة تختلط مطالبها ألعادلة مع ألمناداة أحيانا بالأنفصال والعودة ألى ماقبل 1990م . 
وأصبحت الرغبة في ألأنفصال عن ألدولة اليمنية موجودة حتى في المناطق الشمالية 
و أساس هذه ألنزعات ألانفصالية في اليمن لايكمن في تعدد ألأعراق أو القوميات أو الديانات أو حتى ألأختلاف في أللغات ...ألخ وأنما يكمن في غياب دور مؤسسات ألدولة وتفشي ألفساد وعدم المساوات في الحقوق بين أبناء ألشعب ألواحد ، والتركيب ألأجتماعي ألتقليدي للمجتمع أليمني والتمييز ألقبلي ( بحسب ألولاء وألأهمية والثقل ألأجتماعي) والبطئ في ألنمو بشكل عام وعدم ألتوازن في ألتطور ألنسبي بين مختلف ألمناطق ألجغرافية بالأظافة ألى خصوصية ألشطر ألجنوبي للأسباب ألتي اشرنا أليها سابقا وكل هذا قد ولد مثل هذة ألنزعات ألأنفصالية التي لاتعبر ألا عن أليأس وضيق ألأفق أو مصالح ألنخب السياسية المحلية . وفي هذا ألسياق ينبغي ألتأكيد هنا على أن اليمن تعاني من تراكمات مزمنة ومشاكل معقدة ألتركيب وتحتاج ألى حلها اصطفاف وطني وأرادة سياسية قوية من منضور ألمصالح العامة وليس ألمصالح ألذيقة وألي مدخل منظومي . وفي ظل جميع ألمعطيات ألراهنة على الساحة اليمنية تبرز بدرجة أساسية قضية ضرورة إيجاد آلية فعالة تجسد مصالح الشعب أليمني بمختلف فئاتة ألأجتماعية وتضمن وتحمي بصفة رئيسية حقوق ألمواطن وقادرة على مواكبة ألتطور ، فوجود مثل هذة ألآلية سيكون ألبداية وألأساس للتطور والنمو لحاضر ومستقبل اليمن ، وهي بمقدورها فقط أن تضع حدا لمعاناة ألشعب اليمني لأكثر من نصف قرن من تاريخ أليمن الحديث وهي ألخيار ألأمثل والبديل لخيار أنهيار اليمن ألى دولتين أو عدة دول أو ماهو أسوء من ذلك . 
أن اليمن أليوم يمر بمرحلة دقيقة وخطيرة وللأسف بدأ يلوح في ألأفق ألخيار ألأسو ء ولهذا يجب على كافة ألقوى ألسياسية النزيهة أن تعي جيدا مسؤلياتها أمام ألشعب اليمني والمجتمع الدولي على حد سواء فعملية ألأستقرا والتنمية واليمقراطية وحقوق ألأنسان في ظل ألترابط ألمتبادل بين الدول قضايا لاتهم الشعب اليمني وحده وأنما ألمجتمع الدولي بأسره . ودون أدنى شك تقع ألمسؤلية بدرجة رئيسية على الحزب الحاكم فهو بمقدوره أن يكون صاحب الخطوة ألأولى في تحديد مسار ألأتجاة نحو أحد ألخيارين أو ماهو أسوء من ذلك كونه يتحكم بكثير من مقابض ألسيطرة على ألموقف على ألأقل في هذا ألوقت ألقصير والحاسم . بالمقابل هذا لايعفي جميع قوى ألمعارضة أين ما وجدة في ألداخل أو ألخارج من مسؤولياتها ألتاريخية في كلا ألحالتين . 
لذا ينبغي على جميع ألقوى السياسية ألنزيهة في ألداخل والخارج في السلطة والمعارضة أن تلجأ ألى الحوار في أطار مثلث المصالح ألوطنية ألمتمثل في الوحدة والديمقراطية وبناء دولة النظام والقانون التي تقوم على أساس مبدأ أحترام وحماية حقوق ألأنسان . وأن تعمل معا على بناء أساس اليمن الجديد ومعالجة جميع المشاكل العالقة ولابد أن يسبق هذا الحوار مؤتمر علمي يشارك فيه نخبة من ألأكاديميين لدراسة ومناقشة جميع جوانب قضايا التطور والمشاكل القائمه بدقة و موضوعية ووضع ألأسس العلمية لمخارج عملية محددة و حلول صحيحة من وجهة نضر علمية خالصة وليست حزبية ذيقة ودون أي تحيز ألا للمصالح الوطنية المشتركة . 
ولقد أثبت الشعب اليمني قدراته على تجاوز المحن والأزمات والتطلع نحو ألمستقبل ، فقد أستطاع أبناء الشعب اليمني في الجنوب تجاوز مآسي يناير 1986 م وأستطاع الحزب ألاشتراكي وحزب ألإصلاح رغم ألاختلافات ألأيديولوجية أن يلتقيا و يعملا معا في أطار أللقاء ألمشترك لأحزاب ألمعارضة ، وبمقدور الشعب اليمني ايظا أن يتجاوز مآسي وأثار حرب 1994م وأن يقرر مستقبله ألسياسي و يحدد تطوره ألاقتصادي والاجتماعي .

دكتور رياض طه شمسان 
عضو المنظمة العالمية للتسامح 
والمستشار ألقانوني للمنظمة ألدولية لحقوق ألإنسان في أوكرانيا 

 

أضف إلى: Add to your del.icio.us | Digg this story

Subscribe to comments feed التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
2.80