الحوار الوطني ومستقبل الوحده والديمقراطيه في اليمن
البرفسور | رياض طه شمسان
ان اعادت تحقيق وحدة اليمن سلميا عام 1990 م لم تأتي بسب وجود اخطار خارجيه كانت تهدد اليمن ولم تفرضها القيادتين السياسيتين في الشمال والجنوب على الشعب بالقوه ، بل جائت في مرحلة الأنفراج الدولي بعد بداية فترة انتهاء الحرب الباردة تعبيرا عن أرادة الشعب اليمني الذي ظل موحدا رغم الحدود السياسيه للتشطير، و كأستجابة موضوعيه لمتطلبات التطور الأجتماعي والأقتصادي والسياسي والثقافي الداخلي وتحت تأثير التحولات الديمقراطيه العالميه وانهيار الأنظمه الدكتاتوريه على المستوى الدولي في ظل نظامين دكتاتورين كان يستمدان بقائهما من نظام الحرب الباردة .
وفي الوقت الذي فيه من المفترض أن تشكل الوحدة اليمنيه اساسا للأستقرار والتطور والتنميه على المستوى اليمني وعامل مهم للأمن والأستقرار على المستوى الأقليمي الا انها ايظا أوجدت الكثير من التحديات الديمقراطيه على الصعيد الوطني التي كان ينبغي على القيادة السياسيه ( التي تم تشكيلها من النخبتين السياسيتين في جنوب اليمن وشماله ) استيعابها والشروع في أتخاذ الأجراءات اللازمه بما يخدم الأستقرار والتنميه . لكن اكتفاء النخبه السياسيه الموحده حينها بهامش ديمقراطي يمكن فقط الشريكين في الوحده من تقسيم السلطه والمناصب دون اجراء تغييرات ديمقراطيه شامله وبناء دولة حديثه تصون وتحمي حقوق المواطن وتضمن حق المواطنه المتساويه قد أفرغ الوحده اليمنيه من مضامينها الديقراطيه والأقتصاديه والأجتماعية والثقافيه و خلق تعثرات أمام أستمراريتها وتحولت هذه التحديات الى مشكلات تهدد أمن وأستقرار اليمن والمنطقه بشكل عام نظرا لما يتمتع به اليمن من موقع جغرافي أستراتيجي في الخارطه السياسية العالميه .
أن غياب الأراده السياسيه القويه الوطنيه الموحده والمخلصه القادره على احداث تغييرات ديمقراطيه عميقه في المجتمع اليمني قد ادى الى الحرب الأهليه عام 1994م و مكن هذا الغياب لاحقا قوى الفساد من التغلغل في كل مؤسسات الدوله وألذي بدوره عمل على بروز كثير من المشكلات التي من بين ابرزها ألى جانب الفقر والبطاله وتدهور التعليم العام والعالي والمهني وأنتشارثقافة الأبتزازوغيرها من الظواهر الخطيره والسيئه_ الحراك ذو الميول الأنفصالي في بعض من المناطق الجنوبيه و حر وب التمرد بين فترة وأخرى في بعض المناطق الشماليه اظافه الى ازمه عامة وشامله خلقت ضروف ملائمه لأنتشار الجرائم واعمال الأرهاب والعنف والتطرف .
لقد تلازمت الوحده اليمنيه بالديمقراطيه وأستمرار هذه الوحده مستحيلا بدون الديمقراطيه . والديمقراطيه لا تقتصرفقط على التعدديه الحزبيه وحرية التعبير بل هي عبارة عن نظام متكامل من المؤسسات والعمليات السياسيه. فمضمون الديمقراطيه تحدده جملة من المبادئ والمعايير ومن اهمها مبدأ الحريات السياسيه ، المساواة في الحقوق بين المواطنين وحق الأنتخاب والترشح في اجهزة سلطات الدوله التي يجب أن تعبر عن ارادة الشعب ، تقسيم السلطات ، العلنيه ، التعدديه بمفهومها العام الى جانب هذه المبادي لا يقل اهميه مبدأ اتخاذ القرارات السياسيه وفقا لأرادة الأغلبيه مع الزامية مراعات حقوق الأقلية والأعتراف بأن كل جماعة او فئة أجتماعيه لها مصالحها التي من حقها أن تمارسها في الحياة العمليه ولكن في أطار القانون .
أشكال تحقيق هذه المبادئ يأتي من خلال ضمان وحماية حقوق الأنسان و سيادة النظام والقانون ، الشفافية ، الأنتخابات الحرة و النزيهه والتداول السلمي للسلطه والحكم المحلي والتلاحم مع الشعب وتوزيع الصلاحيات و كل هذا من شأنه ان يحول دون استخدام الموقع الوظيفي في أجهزة الدوله والنفوذ الأجتماعي لأغراض شخصيه ويساعد في التطور الأجتماعي والتنميه .
في الدولة الديمقراطيه بقاء نفس الأشخاص في شغل المناصب لفترات طويله جدا وبصورة مستمره سواء في أجهزة السلطه أو الأحزاب السياسيه أ ومنظمات المجتمع المدني يؤدي ألى عدم ثقة المواطن فيها وألى فقدان هذه الأجهزه والمؤسسات شرعيتها .
في المجتمع الديمقراطي ارادة الغالبيه ينبغي أن تقترن بضمان حقوق الفرد والذي بدوره سيعمل على حماية حق الأقليه اي كان نوعها . بكل تأكيد حقوق الأقليه ليست متعلقه برغبة وارادة الأغلبيه ولا يمكن بأي حال من الأحوال ألغائها او مصادرتها بأغلبية الأصوات البرلمانيه .
ولابد من الأشارة هنا الى أن الحديث يدور في هذا الموضوع حول الأقليه بمفهومها السياسي اي" المعارضه" والغالبيه بمفهومها السياسي" الحزب الحاكم أو الأحزاب الحاكمه" وليس عن الأقليات بمفهومها القانوني . أما مسألة وجود المعارضه في المجتمع الديمقراطي فهي ظاهرة طبيعية وموضوعيه و جزء لا يتجزأ من تكوين البنيان الديمقراطي ودولة القانون . وطالما وجدت في المجتمع مصالح متعدده ينبغي أن توجد المعارضه وتشكل المعارضه القويه بدورها اساسا لبناء الدوله القويه وتعزز من مكانتها الأجتماعيه .
ارادة الأغلبيه ينبغي ان تكون مشروعه وفي أطار القانون ولا تتعارض مطلقا مع حق المساواة مع الأقليه
في نفس الوقت يجب ان يكون سلوك وطموح المعارضه في الوصول الى السلطه في اطار القوانين النافذه واستخدام الأساليب النزيهه في صراعها السياسي من أجل تحقيق غاياتها السياسيه .
بأختصار شديد الديمقراطيه لاتتجسد فقط في أرادة الأغلبيه ولكن ايظا في ضمان حق الأقليه في النقد و حرية التعبير عن الرأي وحق الكلمه والحق في ان يكون صوتها مسموعا لدى الأغلبيه . وفي هذا السياق
ينبغي التأكيد وهذا ما أثبتته تجارب الشعوب في الدول الديمقراطيه ألى أن القلة السياسية التي تتمسك بمواقفها ، ستكون أكثر تأثيرا من الغالبية المتقلبه المواقف ، وحينما تشعر الغالبية بالقناعات الثابته والقوية لدى الأقلية سيدفعها ذلك الى أعادت النظر في مواقفها وسياساتها ولكن من الضروري أن تكون المعارضه بناءه وليست هدامه وأن لا يقتصر دور ها فقط على الأنتقاد وأنما ايضا في ايجاد المقترحات والبدائل بما يتلائم مع المصالح العامه .
أن الشرط الضروري لتأسيس نظام ديمقراطي متطور يكمن في وجود الوفاق السياسي في النظام السياسي فيما يتعلق بأهم قضايا المجتمع . وفي ظل وجود الثقافه المتدنيه والوعي المحدود لفهم قضايا المجتمع عندما تسود المنافع الشخصيه والفئويه لايمكن تطوير وتعزيز الديمقراطيه .
أن انعدام الديمقراطيه الفعليه داخل المؤسسات الحزبيه في السلطه والمعارضه اليمنيه بالأظافة الى
عدم التجانس داخل النخب السياسيه سواء كانت في السلطه أوخارجها الذي يعود سببه بدرجة أساسيه ليس في عدم تطابق المصالح والآرى السياسيه وانما في العامل القبلي والمناطقي من شأنه يلعب دورا سلبيا في تطوير و تثبيت الديمقراطيه داخل النظام السياسي وبناء المجتمع المدني ويهدد المستقبل السياسي لليمن .
وطالما ظلت العقليه القبليه هي السائده في ايدلوجية المكونات السياسيه والمدنيه التي ترتكز علىفكرة أن الوصول الى السلطه كمصدر للثروه والجاه ( كما هو حاصل بالفعل في اليمن) والحفاظ على المصالح هي القبيله التي يرتبط أفرادها بعلاقة الدم والقربى وليس بالروابط الوطنيه ،ستظل المصالح الوطنيه دائما في المرتبة الأخيره هذا في افضل الحالات،
فعلى الجميع لابد من أدراك حقيقة العلاقة البنيويه بين مصالح الفرد والمجتمع والمصالح الوطنيه ومصالح المجتمع الدولي الذي يشكل محورها حقوق الأنسان وحرياته ، وان اي سياسة تضر بهذة العلاقه ستكلل بالفشل ولن تكون نتائجها مجديه وان تحققت بعض النجاحات لكنها ستكون مؤقته، لذا
من الضروري على جميع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني أن تتبني الديمقراطيه ابتداءا من داخل مكوناتها ومحاربة المناطقيه والقبليه بين صفوفها وأعطاء الأوليه في سياستها دائما للمصالح الوطنيه.
أن سبب الأزمه القائمه والوضع المتدهورفي الوطن اليمني ليست البدايات الديمقراطية ولا الوحدة اليمنيه وأنما الأداره الفاشله بسب ضعف الكادر وخاصة كادر الوسط وعلى كل المستويات وفي جميع المجالات في مجتمع تقليدي من حيث بنيته الأجتماعيه ، والفساد المستشري في كافة مؤسسات الدوله الذي يشكل وجوده عائقا حقيقيا امام بناء دولة المؤسسات والنظام والقانون و تطوير الديمقراطيه وتحقيق التنميه والتنميه المستدامه و هذا الوضع المتأزم في اليمن لا يخدم فقط إلا قوى الفساد وحدها ألتي هي ايضا بدون ادنى شك تسعى جاهدة في خلق المزيد من بؤر التوتر في بقاع مختلفه من مناطق اليمن تحت مختلف الأسباب والمسميات ، ويكفي هنا ان ننوه الى ان حسم الحرب في عام 1994م خلال سبعين يوما تقريبا لم يكن سببه أنظمام وحدات عسكريه من الجيش الجنوبي الى جبهات القتال ضد الأنفصال أو ألتزام بعضها بالحياد وأنما موقف شعب الجنوب الرافض للأنفصال والمؤيد للوحدة اليمنيه الذي كان يأمل بغد أفضل في أطار دولة الوحده ، وأما المناداه في الآونة الأخيره للعوده الى ماقبل 1990م فسببها يعود ألى الأوضاع الأقتصادية والأجتماعية السيئه على مستوى الساحة اليمنية بشكل عام والمناطق الجنوبية على وجه الخصوص.
وبناءا على هذا يجب ان يكرس الحوارالوطني( كخيار وحيد للخروج من الواقع المتئزم والخطر في اليمن) في المرحلة الأولى على معالجة هاتين القضيتين وهما القضاء على الفساد و ايجاد اداره جيدة تعبر عن أرادة الشعب من أشخاص شهد لهم بالنزاهه والأخلاص للقضايا العامه والولاء للوطن من ذوي الكفاءات العالية والتخصصيه و في مختلف اجهزة وممؤسسات الدوله على أسس الدستور والقوانين النافذه والفصل بين المناصب السياسيه في الدوله والعمل التجاري ومن هذا المنطلق يتم الأتفاق على ايجاد حكومه وحده وطنيه مؤقته تتولى مهمامها حتي ألأنتخابات القادمه على أن يحدد مهامها مسبقا أثناء الحوار الوطني .
واقتصار الحوار على هاتين المسألتين سيلاقي تجاوبا شعبيا قويا ودعما رسميا وشعبيا خارجي ولا يمثل مطلقا حضور ممثلين لشركاء اليمن في التنميه بصفة مراقبين في الحوار الوطني اي تدخل في الشؤون الداخليه ولايشكل أي انتقاص للسيادة بل على العكس سيعمل على الدفع بالحوار الى مراحل متقدمه وسيعطي ضمانات خارجيه في دعم التنميه المستدامه في اليمن .
و لابد أن تدخل ضمن مهام الحكومه ان كانت قد شكلت ألى جانب القيام بالأصلاحات الشامله صياغة دستور جديد تشارك في صياغته نخبه من علماء القانون يتجاوب مع التطورات داخليا وخارجيا وينبغي ان يتضمن بابا خاصا بحقوق الأنسان ويحدد العلاقه بين القانون الوطني والقانون الدولي وانشاء محكمة دستوريه يحد مهامها الدستور الجديد الذي يقدم للمناقشه في مجلس النواب وانزاله للأستفتاء العام قبل الأنتخابات القادمه.
. ويجب ان يمهد لهذا الأستفتاء باجراء مناقشات واسعه ومستفيضه على المستوى الجماهيري وعبر مختلف وسائل الأعلام
وينبغي ان يعبرالنظام القانوني اليمني عن أرادة الشعب ويستند في اساسه على حقوق الأنسان ويتجاوب مع متطلبات التطور الأقتصادي والأجتماعي والسياسي والثقافي ... الخ و أيجادالضمانات و الآليات لتفيذ معايير القانون الدولي والألتزامات الدوليه للدولة اليمنيه على المستوى الوطني .
وبكل تأكيد سيكون الحوار ناجحا ومثمرا إذا ما تضمن معالجه بناءه وموضوعيه للقضايا الوطنيه العامه وفي حالة ماتكون الأطراف المشاركه نزيهه وواعية وعلى قدر كافي من المسؤليه وتتبنى المصالح العامه بغض النضر عن الأختلاف والتنوع الفكري والأجتماعي . ولابد من الأشاره ألى أن هدف الحوار الوطني الشامل وفي هذه المرحله الصعبه والمعقده في تاريخ التطور السياسي للمجتمع اليمني مكرس لوضع اللبنات الأساسيه لحل المشاكل الوطنيه القائمه المعقدة التركيب التي تهدد في آن واحد سيادة وأمن البلد والمواطن ووضع الأسس لدولة حديثه وليس من اجل تقاسم السلطه والمناصب والنفوذ والفساد والأداره السيئه بين مراكز القوى و مختلف التيارات السياسه
عضو منظمة شهود العالميه والمستشار القانوني للجنة الدوليه للدفاع عن حقوق الأنسان في اوكرانيا
البرفسور | رياض طه شمسان





أضف تعليقك